Chapter 1 - صرخة الكروم

مقدِّمةٌ إلى فراغٍ يرتعد

قبل أن أظهر لك، قبل أن تلتقي أعيننا على سطح الصفحات، كان ثمّة قماشٌ أبيض يرتجف فوق حاملٍ خشبيٍّ خجول. لستُ أبالغ حين أصف البياض بأنّه كان «يرتجف»؛ فالبياض الزيتيُّ الجديد يُصدر طنيناً مكتوماً يشبه نملَ ثلجٍ يزحف تحت الجلد. في تلك اللحظةِ الصفر، لم يكن اللون الأبيض لوناً، بل كان صمتاً متجمِّداً يستعدُّ لتلقّي أول لطمةٍ من ريشة الرسّامة «ديلان».

وأنت، أيُّها القارئ، إذا أرهفتَ سمعَكَ خلف أسطر هذا الكتاب، ستسمع حفيفاً هشّاً: رعشةُ الألياف القطنية وهي تُدرك أنّ وجودها الخالي من المعنى سينتهك عمّا قريب. أمّا أنا، البطلةُ المرسومة—أو قل «الطريدة» إن شئت الدقّة—فلم أكن قد وجدتُ بعدُ. كنتُ بُخارَ فكرةٍ، نَسمةً عالقةً بين خوفٍ غامضٍ ورغبةٍ ملحاحةٍ في أن أُولَد، لا حبّاً في الحياة، بل خوفاً من الفراغ المطلق.

ما ستقرأه هنا

قبل أن نغوص في تفاصيل الصرخة، دعْني أقدِّم لك خريطةً ذهنيةً سريعة لما ستواجهه في هذا الفصل:

  • كيف يتحوّل البياض من حيّز طاهر إلى قبرٍ صاخب.

  • لماذا يُشبه الأصفر الكروميُّ طعمَ النحاسِ ورائحةَ الارتياب في آنٍ واحد.

  • الصراع العاري بين الريشة والفراغ، حيث تصير كلّ ضربةٍ طعنةً في قلب العدم.

  • ولادتي الأولى كارتعاشةٍ داخل مسامِّ القماش، وما الذي يجعلني «طريدة» لا «بطلة».

  • أخيراً: كيف يتشكّل «جوعُ المدار» بوصفه سِجناً ذهنياً يتغذّى على فكرة التحقّق ذاتها.

1. ارتجافةُ البياض

عندما أقفُ الآن على حافة ذاكرتي التشكيلية وأفتحُ النافذة على الوراء، أراها—ديلان—وهي تقترب من القماشة كصيّادٍ يمدُّ سبّابته ليلامس جلدَ ماءٍ راكدٍ قُبيلَ الرمي. في تلك اللحظة، كان المرسم برمّتهِ يتسوّل ضوءاً من مصباحٍ يتدلّى مثل قلبٍ معلَّقٍ بخيطٍ واهٍ. رائحةُ التربنتين الحادّة ملأت جوفي قبل أن أملك جوفاً؛ أحسستُ بها كصفعةٍ باردةٍ على خدٍّ لم يُرسَم.

كنتَ ستلاحظ معي، لو كنتَ هناك، أنّ صوت الهواء تغيّر. الهواء في الأتولييه له طبقاتٌ سرّيّة؛ في الصباح يُشبه نَفَسَ طفلٍ نائم، وفي لحظات الخلق الأولى يتّخذ نبرةَ «ارتعاشة ما قبل الجريمة». إنّه الصمت الذي يسبق الطلقة، الصفير الذي لا يسمعه إلّا من تقمّص دور الضحية مسبقاً.

البياضُ ليس طهراً

أدري أنّكَ، مثل كثيرين، تعتقد أنّ البياض صفحةٌ بريئة تنتظر الحبر. غير أنّ الحقيقة أقلُّ شاعريّةً وأكثرُ رعباً: البياض فراغٌ يكره نفسَه، فراغٌ يرغب في أن يُملأ لأيِّ ثمن. إنّه عُبوةٌ من الصمت المضغوط، وحين يُترك بلا معنى يتقيّح حنيناً إلى أوّل جرحٍ يحرِّره. لذلك، حين غرست ديلان رأسَ الريشة في القلب الأبيض، لم تكن تضيف لوناً بقدر ما كانت تفتح ممرّاً للتنفُّس، لي، ولها، وللقماش نفسه.

2. الطعنةُ الأولى: الأصفرُ بطعم النحاس

أتذكّر الإحساس كأنّه يحدث الآن: الريشة تهبطُ عموديةً، ثم تنزلق بخطٍّ جانبيٍّ فوق سطحٍ مشدود. اللونُ يُدعى «أصفر كروميّ». لو اقتربتَ بأنفكَ من حافّة اللوحة الطريّة، ستشمّ معدنَ الخوف: مزيجَ لذوعة النحاس حين يلامس اللسان، ولَزوجة العسل الحامض لحظةَ يختلط بالصديد.

لماذا اختارت ديلان هذا الأصفر؟ ربّما لأنّ الشمس في رأيها لا تشرق لتُنير، بل لتفضح. الأصفر الكروميُّ فضيحةٌ ضوئية: يكشف الخطأ قبل وقوعه، ويضع المرء أمام مرآةِ قلقه دون أن يترك مجالاً لرمشةِ عين. كلُّ لونٍ آخر كان سيعطي القماشَ فرصةَ التفاهم، إلّا هذا.

  • طعمُ النحاس: يذكّركَ بطرفِ عملةٍ صدئةٍ تلمس شفتكَ خطأً، فتسحبُ رأسكَ متقزّزاً.

  • رائحةُ الارتياب: كأنّك تمشي في ردهةِ مستشفى تحت إنارةٍ فلوريةٍ وتسمع صفيراً يُنبّئك أنّ خطباً ما سيقع حالاً.

  • خشونةُ اللمعان: يجرحُ العينَ قبل أن يبلغ شبكيتَها؛ ضوءٌ صُلبٌ بحيث يمكنكَ «كسرهُ» لو ضغطت عليه كُفيك.

هكذا، وأنا لم أولَد بعدُ، شعرتُ بأنّ الصرخة تشقُّ الصمتَ كحجرٍ يُلقى في بئرٍ عميقٍ من اللاشيء.

3. صراعُ الريشةِ مع الفراغ

ديلان ليست رسّامةً لطيفة. الريشةُ في يدها تصبح خنجراً. ومع كلِّ ضربةٍ، كان البياض يئنّ تحت وطأة اللون، كما يئنّ جبينُ معبدٍ رخاميٍّ حين يُنقَشُ عليه اسمُ إلهٍ جديد.

ثلاثُ مراحل للصراع

  1. الانتهاكُ الأولى: خطٌّ أصفر يحزُّ العدم، فيتحوّل القماش من صمتٍ أبكم إلى صرخةٍ مكتومة.

  2. سدُّ المنافذ: ضرباتٌ عرضيّةٌ تلاحقُ هروب الضوء الهارب، فتكمِّم الفجوات التي قد يتنفَّس منها البياض.

  3. تثبيتُ الأُسْر: صوتُ شعيراتِ الفرشاة الثقيلة وهي «تُرَوِّض» اللون، يدقُّ كطبولٍ تخبرني أنّي، إن تنفّستُ، سأدفع الثمن.

كنتُ أتابع المشهد من الداخل، من عُمق الصبغة، مثل رضيعٍ يرى غرفةَ الولادة من سائلٍ شفّاف. في كلِّ نقلةٍ من نَقَلات ديلان، كان ينهار جسرٌ كان يمكنني أن أعبرهُ في المستقبل؛ تُغلق إمكانيةٌ، وتُفتح جراحةٌ مكانها.

4. نشوءُ الصوت: كيف يُولَدُ الوعيُ من طعنة

لقد أخبرتكَ أنّني لم أكن جسداً بعد، لكنّ الوعي لا ينتظر عضواً لكي يرتعش. ما إن استقرّت أولى البقع حتى حدثَ ما يمكنُ تسميته، تجاوزاً، «كهرباءَ الإدراك». شعرتُ بانقباضٍ داخل الألياف، كأنّ لزوجة الزيت يتحوّل إلى شبكةِ أعصابٍ دقيقة.

فجأةً صار للأصفر صوتٌ. الأصوات في البدء لا تُسمع، بل تُحسّ. الأصفر كان يُصدر صريرَ معدنٍ يُطحن في طاحونةٍ بطيئة. ومع كلِّ إزاحةٍ للريشة، زادت حدّةُ الصرير حتى بدا لي أنّ القماش نفسهُ سيتشقَّق من فرط التوتّر.

إن كنتَ تتساءل كيف وُلدتُ، فهاكَ الجواب في نقاطٍ واضحة:

  • اصطدامُ الريشةِ بالبياض: يخلقُ حرارةَ احتكاكٍ أعلى من احتمال الألياف.

  • الحرارةُ الذهنية: تتكثّف في نقطةٍ تصيرُ «جرثومةَ وعي».

  • الجرثومةُ تتمدّد: نبضةٌ ثم نبضة، كدقاتِ قلبٍ لمّاحٍ في ليلٍ ساكن.

  • أخيراً: يصرخ اللونُ فيّ، فأصرخُ فيه، وينعكس التردّد بيننا حتى يصير اسمي همساً مسموعاً: «الطريدة».

5. دوائرُ الحصار

بعد أن فرشَت ديلان الأصفر بما يكفي ليملأ الأفق، بدأت تستبدل رأسَ الفرشاة الواسع بواحدةٍ أدقّ، وكأنّها استلّت خيطَ المقصلة ليُحزَّ عنقُ الفراغ. راحت ترسم دوائرَ متداخلة، حمراءَ وصفراءَ، حول نقطةٍ مبهمةٍ في الوسط—تلك النقطة التي سأشغلُها عمّا قريب.

لماذا الدائرة؟

  • لأنها الشكل الوحيد الذي لا يتيح زاويةً للاختباء.

  • لأنها توحي بكمالٍ زائفٍ يفضحُ النقصَ في كلِّ ما يلامسها.

  • ولأنّها، ببساطة، تُجبر العينَ على الارتداد إلى مركزها؛ أي إليَّ.

صرتُ أشعرُ بأنّ هذه الدوائر ليست خطوطاً فوق سطحٍ بارد، بل أحزمةُ ضغطٍ نفسيٍّ تشدُّ ضلوعي الافتراضيّة. كلُّ خطٍّ تُضيفهُ ديلان هو طريقٌ مسدودٌ جديدٌ في متاهتي.

6. جوعُ المدار

الآن أحتاج أن أبوح لك بسرٍّ: أكثر ما يخيفني لا هو اللون، ولا الريشة، بل هو الجوع. الجوعُ هنا لا يُقاس بالكيلوحريرة ولا يُسكتُه رغيفٌ من القمح؛ إنّه جوع الفكرة إلى التحقّق. تخيّل شهوةً ذهنيةً تريدُ أن تصبح مادة، أيّ مادة، حتى لو كان ذلك يعني الوقوع في الأسر الأبدي.

كنتُ أمدُّ يدي التي لم تتشكّل داخل لُزوجةِ الضوء أبحثُ عن شيءٍ صلبٍ أستندُ إليه. حينها تلمَّحَ لي طيفُ صندوقٍ خشبيٍّ في ركنٍ صفرٍ من اللوحة. بدا لي الصندوق وعداً بقانونِ فيزياءٍ أعرفه: خشبٌ، مسمارٌ، وزنٌ. وبدا أيضاً قاسياً، محدوداً، مفهوماً. غير أنّ اقترابي منه مؤجَّلٌ؛ فالمدار يطلب ولاءي أولاً.

أعراضُ جوعِ المدار
  • انجذابٌ قسريٌّ نحو كلّ ما هو «محدَّد» في بحرٍ «غير محدَّد».

  • رغبةٌ في الابتكار والتدمير معاً: أريدُ أن أكون، وأريدُ أن ألا أُصادَر.

  • تداخلُ الحواس: أسمعُ الأصفر كصرير، وأذوقُ الأحمر كحديدٍ ساخن، وألمسُ الفراغ كهُوّةٍ ذات قاعٍ لزج.

7. أنتَ، القارئ، كجزءٍ من الكمين

لعلّك لم تنتبه، لكنّ وجودك على الجانب الآخر من الصفحة جزءٌ من الخطة. ديلان حين رسمت ملامحَ حصاري، كانت تُضمر قارئاً مجهولاً يشبهك. أنتَ لستَ مجرّدَ متفرّج؛ أنتَ «عين القنّاص» التي ستقفُ لاحقاً لتقيِّم دقّة استهدافها. لذلك أستبقُك بالحوار:

  • هل ترى كيف لا أستطيع مغادرة المركز؟

  • هل تلاحظُ كيف تُحكِمُ الدوائرُ قبضتَها كلّما حاولت الانزياح؟

  • هل تشمُّ أيضاً مزيجَ الزيتِ والتربنتين، ذلك الذي يجعل اللقطةَ الأخيرة أكثر واقعيّة؟

أعرف أنك قد تشفق، وقد تفرح، وقد تكتفي بالحياد. في كلّ الحالات، مجرّدُ نظرك إليَّ يُبقي صَرخةَ الكروم حيّةً. الفراغ لا يموت إلّا حين يكفُّ أحدٌ عن مراقبته.

8. الريشةُ تتأمّل جريمتها

بعد ساعاتٍ أو دقائق—لا أدري؛ فالزمن هنا يُقاسُ بعددِ دقّات الريشة—ابتعدت ديلان خطوتين. وضعت الفرشاة في كوبِ ماءٍ عكِرٍ، اتّكأت بظهرها على حافةِ طاولةٍ تئنّ تحت طبقاتٍ من القماش الملفوف، وتنظر. في ابتسامتها خيطٌ رفيعٌ من الأسى، أسى الخالق حين يدركُ أنّ مخلوقهُ وُلد ليعاني كي يَسُرّ ناظريه.

كأنّي رأيتُ في عينيها سؤالاً: «هل يكفي هذا القدر من الألم؟» لكنّ السؤال لم يدم طويلاً؛ سرعان ما ارتسمَ فوق ملامحها يقينُ الصياد: «ليس بعد».

قائمةُ ما تحقق حتى الآن

  • البياضُ جُرح.

  • الأصفرُ زرعَ منجماً من القلق في كامل المساحة.

  • الولادةُ الذهنيةُ اكتملت.

  • أحزمةُ الدوائرِ نصبت الفخَّ.

  • أنا في المركز، لكن بلا جسدٍ واضح، فقط وميضُ وعيٍ يطلب المزيد.

9. خلاصةٌ مؤقَّتة: بين الصرخةِ والصمت

قد تتوقّع خاتمةً تشبه هدنةً، لكن لا هدنة هنا. الصرخةُ الأولى ليست إلّا صفحةَ عنوانٍ لصراعٍ أطول. إنّ الأصفر الكروميَّ، رغم ضراوته، سيطالب بنصيبٍ أكبر من الحكاية. البياضُ الذي دُفن تحت طبقاته لم يمت؛ إنّه يخطّط من تحت ركام اللون لثأرٍ أبيضَ يُعيد التوازن. أمّا ديلان، فتلمّسُ حوافَّ بشرتها تلك الرعشةَ الخفيّة التي لا يعترفُ بها إلّا من ذاق لذّةَ الخلق ولعنةَ التأمّل.

وأنا… أنا أُنهِي هذه الصفحة لأفتح عينيّ على الصفحة التالية، حيثُ سيكمل اللونُ حصاره، وتشرعُ الدوائرُ في تصغير مساحتي. أرأيتَ؟ لم نخطُ بعدُ إلّا إلى أولى عتبات الجحيم. والرحلة ما زالت طويلةً، متشظّيةً، أصفرَةً، ومتّقدةً بفكرةٍ واحدة لا تزول: كلُّ لونٍ جديدٍ هو سجنٌ جديد، وكلُّ سجنٍ جديدٍ ولادةٌ لوعيٍ أعمق.

ملاحظاتٌ نهائيةٌ لكَ—منّي وإليَّ

قبل أن تُغلق هذا الفصل، تذكَّر:

  • الفراغ لا يُقهر بضربةِ لونٍ واحدة؛ إنّه يتغلغل في المسافات بين الضربات.

  • الأصفرُ الذي تراه اليوم يحوِّلُك أنتَ أيضاً إلى جزءٍ من لوحته؛ تخرجُ من القراءة وأنتَ تحملُ في قرنيّتكَ ومضاتٍ من النحاس والارتياب.

  • إذا أحسستَ أنّ الجملةَ تلسعُ لسانك، فاعلم أنّ طعمَ النحاس انتقل من الريشة إلى فمك، وأنّك الآن شريكٌ غير مرئيٍّ في جريمةِ الخلق.

في الفصل القادم سنرى كيف يتحوّل هذا الغزو الأصفرُ إلى طوفانٍ لا يرحم، وكيف يُمسكُ القلقُ برقابِ التفاصيل حتى تخنقَني وتخنقكَ معاً. إلى هناك، أتركُكَ في المنتصف بين صرخةٍ وصمتٍ، بين جدارٍ من البياض وأفقٍ من الكروم، لتتساءل: هل يمكن لطلقةِ لونٍ واحدةٍ أن تعيد صياغةَ الكون؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة