قصص قصيرة
ملوحة النبع الأزرق: التماع النصل في الحديقة العارية لم تكن الجغرافيا بينهما مسافة تُقاس بالخطوات، بل كانت انعداماً تاماً للمادة، فراغاً جافاً يمتص الأصوات قبل أن تولد. جلس الاثنان على حافتي ذلك الغياب البارد. كان يرتدي معطفاً محشواً بالرسائل التي لم تُرسل قط، وكانت هي تنظر إلى ركبتيها اللتين تحولتا بفعل الوشوم القديمة إلى خريطتين لمدن غمرتها المياه. كانت تقف على حافة تلك الهوة وهي ترتدي فستانها الأنيق الفاتن، وتنتعل كعباً عالياً ينغرس في الفراغ كمسامير من جليد، يمنحها طولاً وهمياً ورفعةً قاسية تجعلها قريبة من غيوم الغرفة. وعندما طال الصمت، ولم يعثر أي منهما على حجر يلقيه في هوة الآخر، بدأت عيناها تسكبان ملوحة دافئة، تشكلت منها بحيرة شاسعة من الوعي الراكد، ونبتت في قاعها أسماكٌ رمادية بلا حراشف، تدور حول نفسها في حلقات حلزونية ضيقة. حاول الرجل أن يمد يده عبر سطح البحيرة، لكن الأسماك الكئيبة كانت تقفز لتنهش الهواء المحيط بأصابعه، تاركة ندوباً زرقاء داكنة من حبر سائل بدأ يتسرب من جروحهما، محولاً الدموع إلى نص طويل معقد، ولغة زرقاء غامضة عجز كلاهما عن قراءتها، مصداقاً لوصية أمها ال...