رواية جوع المدار - الفصل الأول
رواية جوع المدار - الفصل الأول في عتمة مرسمها الخاص، حيث يتناثر الضوء من نافذة صغيرة كاشفاً بياض الجدران كأنها صفحات لم تُكتب بعد، كانت الرسامة تقف متأهبة كبطل في ساحة معركة غير مرئية. أمامها، قماشة ناصعة تمتد مثل بحر أملس يترقب أولى ندفات اللون. كان القماش أشبه بصمت مطبق، ترتجف تحت لمحات الفرشاة التي تتلاعب به كأنما تكتب مصيره المحتوم. كانت السماء تمطر بليلة من الأصفر الحاد، ذلك اللون الذي لا يعترف بوجود حدود بين النهار والليل. استسلمت الرسامة لنداء الكروم الصارخ، تلك الصرخة الغير مرئية التي تحوّلت فجأة إلى زوبعة من الألوان تعصف بكيانها. لقد كانت لحظة وحي، لحظة تمسك فيه الرؤيةزمام القلب، وحينما تَمسح الفرشاة بطن القماش لأول مرة، انبثقت الحياة من العدم. بدأ الصمت يتحول إلى صوت جائع، وبدأت مسرحية الألوان في شاشة الذهن تُعرض، باعتباري أنا، الكشف الذي لم يولد بعد، يقف ليشهد ولادة نفسه. صرخة الكروم: البداية المثيرة في البدء، كانت اللوحة مجرد قماش ينتظر أن يحصل على الحياة، طيعة متأرجحة بين الصمت والصراع. الرسامة، بتوتر غريب في أطراف ضميرها، تمسكت بفرشاتها كعصا سحرية؛ كأنها تعرف ...