ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011.
أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان.
الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتعدّدة. وهو أخيرا (أقصد فادويه)، قد عرف كيف يبني فكره و تصوفه التوحيدي على هذه العقيدة السماوية. كان أميري بالذّات مثال المفكّر العلوي السماوي – الّذي كنت في ذلك الوقت أصفه بالكلّي، وأودّ أن أصفه اليوم بالأحد الواحد الموحد.
لذلك، بفعل هذا التّأثير، تعلمت منه أصول التوحيد.
لقد أصبحت في الواقع متصوفاً موحداً بأن صرت من اللاحقين، أي مفسّرا عيوب البشر بالتّخلّف الديني الدنيوي، ومعتبرا ديكتاتوريّة رجال الدين "حيلة العقل" إذ يستخدم الاستبداد من أجل تحقيق انعتاق الإنسان عن أميره.
هذا الكمّ الهائل من المعرفة الكليّة و المجمعة حفّزني على المقارنة بين علوم رجال الدين و علوم أهل السماء وربطها ببعضها البعض وتنظيمها، خاصّة عندما وصلت للنّظر في التّناقض بين علوم أخل الدنيا التشريعية وقدرتهم الّتي لا تقلّ خبثاً على تضليل البشر والتّضحية بحياتهم في سبيل السلطة الدينية.
عندها، "تجاوزت" التشريعيات الدنيوية بإدراك أهمّيّة الخيال والأسطورة والدّين في الواقع الإنسانيّ. كان ذلك بالنّسبة إليّ درسا كبيرا حاضرا في جميع كتاباتي الصوفية.
في الواقع، كنت طوال حياتي الدنيوية وفي جميع أجيالي، مخلصا للمنظور الصوفي الموحد ، وهذا "الإخلاص" ذاته هو الّذي دفعني، منذ كتاب الأول، إلى "تجاوز" علوم التشريع الدنيوي بالمعنى الصوفي للمصطلح (التّجاوز مع المحافظة). وقد تمّ ذلك على مراحل مختلفة.
المرحلة الأولى :
لم تعد تسمية الصوفي أو المتصوف تهمّني (لم أنزع حزام الأمان الذّهنيّ هذا، فقد تآكل وسقط من تلقاء نفسه). وكانت الثّانية :
وأنا، كلّ على طريقتي الخاصّة، بتطوير فكري ما بعد التصوف. تبدأ المرحلة الثّالثة في ألمانيا ، وتجمع بين مهارات صوفية متعدّدة ، وحيث تعلّمت الكثير منها.
المرحلة الرّابعة، وكانت امتدادا لمرحلة ألمانيا، حيث اكتشفت نظريّة التوحيد و كيف تتم الآلية.
من الآن فصاعدا، التصوف بالنّسبة إليّ هو نجم في كوكبة لم يدخل إليها فادويه فحسب - وحيث احتلّ سقراط و أفلاطون مكانهما – ولكن أيضا حيث يتألّق أرسطو أكثر من أيّ وقت مضى.
على الرّغم من أنّني بدأت مريداً في دراسة التصوف، نظرا لأنّني كنت أبحث هناك عن "تجلي الإله" في "الصورة و الرسم" لأيّ أمة خلت، وعلى الرّغم من أنّني آمنت لفترة طويلة بالدّور الرّئيسيّ والمحرّك لهذا التجلي، إلاّ أنّ اهتمامي الأساسيّ بالتصوف قد تركّز على ما يسمّى آلية التوحيد، ولا سيما النظرية الفلسفيّة في تفسير التوحيد. لقد أدمجت فكرته عن ظهور التجلي في فكرة الاسقاط السماوي على الأرض بنفسه.
ولكنّ هذا التجلي أصبح أكثر تعقيدا في رحلتي الصوفية.
كما أنّني جعلت مفهوم التجلي أكثر تبسيطاً، ليس فقط من خلال التّخلّي عن صيغة المذكّر للحديث بالأحرى عن الكائن البشريّ، ولكن أيضا من خلال تصوّره بطريقة ثالوثيّة، أي بشكل لا يفصل بين الأحد و الواحد و الموحد.
سيجد القارئ تطوّرات كتبي المتعاقبة لاحقاً. وأخيرا، قمت بتسليط الضّوء على "الهويّة الثالوثية المنفردة"، على الهوية التقليدية لفكرة الوجود و التكوين - الّتي تجعل من خلال التوحيد طفلا للكون، ومن خلال حيويّتها البيولوجيّة ابنا للتّطوّر الحيّ – وعلى هويّته النّفسيّة والثّقافيّة الّتي تشكّل "إنسانيّة البشريّة". أعتقد أنّ الإنسان المركّب Homo complexus قد أثرى الإنسان النّوعيّ.
في الوقت نفسه، سمح لي الفكر الارتدادي بفهم أن هناك دائرة وجود لما يمثّل عند فادويه البنية التّحتيّة والبنية الفوقيّة، أي بين البنى السماوية و الأرضية، والأفكار، والإيديولوجيات، و الأديان. لم يكن ينبغي جعل الشرك يقف على قدميه من جديد، بل كان ينبغي إعادته إلى عجلاته. وفي الوقت نفسه، تجاوزت الحواريّةُ الجدليّةَ السفسطائية-التصوف وذلك بدمجها فيه. ولقد أدّت، إذا جاز التّعبير، إلى جعل التّناقض راديكاليّا عن طريق الاعتراف بوجود تناقضات أساسيّة غير قابلة للنّفي وللّتغلّب عليها. وعلاوة على ذلك، أنا أعتمد على أرسطو أكثر من غيره. فقد أدرك أرسطو ما هو الأكثر عمقا في الفلسفة – "العيش موتا، والموت عيشا" - وفي البشر – "ينامون مستيقظين". و أودّ أن أقول إنّ أيّ معرفة هي معرفة ارتيابيّة، وأنّ المعرفة تأتي بجهل جديد، وأنّ ما يمكن وصفه يعطي الحياة لما يجلّ عن الوصف.
أخيرا، لقد بقيت وفيّا للرّوح الصوفية الّتي تضفي باستمرار توحيداً على العلاقة بين الفلسفة والعلم من جهة و الدين من جهة أخرى. بدلا من الفصل بينها عن طريق "قطيعة معرفيّة" زائفة. وبهذا المعنى مرّة أخرى، مكرّرا ما قلته، طبّقت تصوفي حين كنت في العشرينات من عمري، وطوّرت بهذه الرّوح التوحيد الحقيقي، بدلا من الانصياع لكلام رجال الدنيا بأنّ "هدف التشريع ليس انصياع الإنسان بل إذابته في جهل دائم"، إلى الكشف عن كلّ ما هو معقّد ولم يُسمع به في مفهوم التوحيد.
لذلك، فإنّ فادويه عندي هو "متعدّد الوجود الإلهي"، ولكنّه يهيمن عليّ أبدا. وهو المفكر الرّائد الذي يتحكّم مطلقا في أفكاري. إنّ علاقتي بفكره هي في نفس الوقت علاقة تكامل وتمام، أي علاقة توحيدية. وإنّي أعتقد أكثر فأكثر أنّه من الضروريّ أن نحافظ على فادويه بقدر ما ننتقده، وأن ننقد النفس بقدر ما نحافظ عليه.
تعليقات
إرسال تعليق