بكامل عذريتي/
قبلة من طين
كانت ليلى تقف أمام النافذة تراقب الحديقة الصغيرة. أشجار الخوخ بدأت تزهر، لكنها لم تشعر بأي فرح. كان قلبها مثل بيت فارغ في شتاء طويل.
منذ طفولتها وهي تعرف طعم الحزن أكثر من أي شيء آخر. لم تذق قبلة حب حقيقية قط. كل ما عرفته كان من أفواه الألم والخيبة. أمها تزوجت رجلاً جلب لهم سوء الحظ، وأبوها فتح بيتهم لكل من هب ودب حتى ضاع كل شيء جميل.
في الليل، كانت ليلى لا تنام. تجلس على السرير وتفكر في حياتها. تتخيل أحياناً أن هناك رجلاً ما سيأتي ويقول لها كلاماً جميلاً، سيقول لها أنه يشتاق لها ويحبها. لكن هذا الخيال كان يذوب بسرعة مثل قطعة ثلج تحت الشمس.
كانت تشعر أنها مثل امرأة تبتسم في مكان لا يراها فيه أحد. كل من حولها لا يفهم ما تشعر به. يمرون بجانبها وكأنها لا توجد.
ذات مساء، قابلت أحمد في المكتبة. كان شاباً هادئاً يحب الكتب مثلها. تحدثا عن القصائد والحياة. للمرة الأولى شعرت أن أحداً يراها حقاً. كان يستمع لها ويفهم كلامها.
بدأت تحلم به. في أحلامها كان رجلاً من طين طيب، يأخذ شكلاً جميلاً أمام عينيها. لكن في الصباح كانت تستيقظ وتجد نفسها وحيدة مرة أخرى.
أحمد بدأ يزورها. كان يجلس معها في الحديقة ويخبرها عن حياته. هو أيضاً عاش طفولة صعبة. والداه كانا يتشاجران كثيراً، وهو نشأ يحلم بحياة هادئة مليئة بالحب.
في إحدى الليالي، جلسا تحت شجرة الخوخ. النجوم كانت تضيء السماء والجو كان دافئاً. نظر أحمد في عينيها وقال: "أحبك يا ليلى". كانت هذه أول مرة يقول لها أحد هذه الكلمة.
اقترب منها ببطء وقبلها. كانت قبلة ناعمة مثل نسيم الربيع. شعرت وكأن شيئاً جميلاً يولد في قلبها لأول مرة. لم تعد تشعر بالحزن الذي رافقها سنوات طويلة.
لكن السعادة لم تدم. أحمد سافر للعمل في مدينة بعيدة. وعدها أن يعود، لكن الأيام مرت والأسابيع مرت دون أن تسمع منه شيئاً. رسائلها له بقيت بلا جواب.
عادت ليلى للأرق والحزن. جلست أمام النافذة تراقب أشجار الخوخ وهي تنضج، وتسأل نفسها: لمن تنضج هذه الثمار؟ ولمن يكون الجمال إذا لم يكن هناك من يراه؟
أدركت أن قصة حياتها مثل قصائد حزينة كتبتها امرأة مجروحة. كل فصل فيها مليء بالخيبة والانكسار.
لكن في أحد الأيام، وبينما كانت تقرأ في المكتبة، جاءها خبر. أحمد عاد. لم يتزوج كما خافت، ولم ينس حبها. كان قد عمل بجد ليوفر مالاً يكفي لبداية جديدة معها.
عندما رأته مرة أخرى، شعرت وكأن الرجل الطيني في أحلامها صار حقيقياً. احتضنها بقوة وقال: "لن أتركك مرة أخرى".
تزوجا في حفل صغير. والدا ليلى كانا سعيدين لأنهما رأيا ابنتهما تبتسم أخيراً. أحمد لم يكن مثل الرجال الذين جلبوا سوء الحظ لعائلتها. كان رجلاً طيباً يحبها فعلاً.
في ليلة زفافهما، جلسا في حديقتهما الصغيرة. أشجار الخوخ كانت مليئة بالثمار الناضجة. قال أحمد وهو يداعب شعرها: "الآن أعرف لمن تنضج هذه الثمار". ابتسمت ليلى وشعرت أن حياة جديدة بدأت أخيراً.
تعليقات
إرسال تعليق