حبر الغريب : مرآة الجرح الذي لا يُرى

 حبر الغريب : مرآة الجرح الذي لا يُرى

الروح الجريحة لا تصرخ، بل تبحث عن صدى. في عمق العزلة، نلجأ إلى كلمات صاغها غريب، لا لنقرأ حكايته، بل لنرى حكايتنا وقد كُتبت أخيراً.
الاقتباس ليس مجرد جملة، إنه شهادة بأن شعورنا الفوضوي له اسم وشكل، وأننا لسنا أول من ضلّ في هذا الطريق الموحش.
حبر الغريب يمنحنا عزاءً لا يقدر عليه القريب؛ إنه اعترافٌ دون شفقة، ومشاركةٌ دون التزام. الكلمات المنحوتة من ألمٍ آخر تصبح ملكنا، تترجم خرسنا الداخلي إلى لغة مفهومة.
هذا الألم المقطّر في سطور يحررنا من فرادة معاناتنا، ويصلنا بشبكة خفية من القلوب التي عرفت ذات الانكسار.
نحن لا نبحث عن حلول في تلك الاقتباسات، بل عن رفيق صامت. نجد في دقة وصفها لوجعنا ما يشبه التشخيص الطبي لمرض مجهول؛ مجرد تسمية الألم تجعل التعايش معه ممكناً.
إنها المرآة التي نرى فيها جرحنا بوضوح للمرة الأولى، لا لنصلحه، بل لنتصالح معه.

مَنْ يَسكُنُ مَنْ؟
دَعْنا نتأمل كفَّ يدك للحظة، يا صديقي. ألا ترى فيها وشومَ الزمن وخرائطَه؟ تلك الخطوطَ الغائرة، وتلك الأوردةَ التي تتراقصُ كأنهارٍ خفيَّةٍ تحت جلدك الرقيق. كل هذا يُشير إليك، إلى وجودك المادي الملموس في هذه اللحظة بالذات.
ولكن، هل هذه اليد هي كُنهُ ذاتك؟ أم هي مجردُ إطارٍ من لحمٍ وعظم، يحوي فكرةً أعمقَ وأرحبَ هي "أنتَ" في حقيقتك؟
نعم، إننا نحيا محصورين في أجسادنا؛ هي التي نذوق بها طعمَ الألم حين يغزوها، ونترنّمُ فرحاً حين تكسوها العافية، ونسلّمُ لها قيادنا في غفوتها ويقظتها. أحياناً، تبدو تلك الحدودُ كقضبانٍ حقيقية، ويغدو العقلُ فيها أسيرًا موهوبًا، يتعلّمُ كيف يتكيّفُ مع زنزانته الضيقة. لكنّنا ننسى، أو نتناسى، أن اليدَ ذاتها هي التي تعزفُ اللحنَ الذي تدفّق في الروح، وهي الأصابعُ التي تكتبُ القصةَ التي أشرقت في الخيال.
هنا بالذات، ينقلب الأسيرُ إلى سيّد، ويتحول الجسدُ كله إلى ريشةٍ طائعةٍ في يد فنانٍ لا تراه العيون.
وحتى علمُ النفس، بأدواته ومقاييسه المُحكمة، يحاول جاهداً أن يرسمَ لنا خريطةً واضحةً لهذه "الذات" المترامية الأطراف، هذه القارة العظمى التي لا تزال مجهولةً في كثيرٍ من جوانبها. هو يُقلّب صفحاتِ السلوك، ويغوصُ في محيط المشاعر، ويصنّفُ الأفكارَ المتقافزة، ولكنه يظل واقِفاً حائراً عند سؤالٍ قديمٍ قِدَمَ الإنسان ذاته : هل ما يقيسه هو مجردُ خريطةٍ تُشير إلى المحيط، أم هو المحيطُ كله؟
وهل بوسع أداةٍ ملموسةٍ، خاضعةٍ للحس، أن تبلغَ أعماقَ كيانٍ يرى في غياهب الظلام أحلامًا، ويصنعُ من العدم معنىً يضيء دروبنا؟
وربما أن السؤالَ بأسره يحملُ في طياته شيئًا من الخديعة منذ أول وهلة. لعلّنا لسنا ذلك العقلَ الذي يرى نفسَه سجينًا، ولا ذلك الجسدَ الذي يظنُ أنه مجردُ وهمٍ زائل. ربما، وبكل بساطة، نحن تلك الأنشودة الخالدة التي لا يُمكن لها أن تكتملَ أو تُسمعَ إلا بتآلف العازف وآلته، الكمان، معاً.
فالجسدُ، وحده، دون روحٍ تعيه وعقلٍ يوجّهه، هو آلةٌ صامتةٌ ميتة، والعقلُ، وحده، بلا جسدٍ يُجسّده ويُعبّرُ عنه، هو لحنٌ حبيسٌ في الصدور، لا يطربُ له أذنٌ ولا يشعرُ به أحد.
فمن نكون نحن، يا صديقي، إذا لم نكن هذه الرقصةَ السرمدية، المتجددة، بين الفكرة التي تحلّق، والطين الذي يتشكّل؟

حينما يُقرر "القدر" أن يُصفّق للمجانين
هل شعرت يوماً بتلك البرودة الغريبة في أطراف أصابعك قبل اتخاذ قرارٍ مصيري؟ إنها نفس الرجفة، ونفس اتساع حدقة العين الذي يسبق القفزة في المجهول، لكن الغريب أن النهاية وحدها -وفقط النهاية- هي من تقرر إن كنت ستُدعى بطلاً أو أحمق.
دعنا نتخيل معاً رجلين يقفان على حافة هاوية، كلاهما صنع أجنحة من شمع وريش، وكلاهما يحمل في صدره قلباً متمرداً يرفض منطق الجاذبية (وربما منطق العقل أيضاً). الأول قفز.. ولحسن حظه، صادفته ريحٌ رحيمة حملته إلى الضفة الأخرى بسلام.
ماذا فعلنا نحن؟ صفّقنا طويلاً، ونحتنا له التماثيل، وصرنا نحكي للأطفال قائلين : "يا له من عبقري جسور، رأى ما عجزنا عن رؤيته!".
أما الثاني.. المسكين، قفز بنفس الاندفاع، وبنفس الإيمان المُتقد، لكن تياراً هوائياً خائناً كسر جناحه فهوى. هنا، تغيرت نبرتنا تماماً، وكتبنا على قبره ببرود المعلم القاسي: "متهور طائش، لم يعرف حجم قدراته".
أحياناً، أشعر أن الحقيقة التي نتهرب منها موجعة للغاية؛ الفرق لم يكن يوماً في معدن القلب، ولا في رجاحة العقل. الأمر يشبه تماماً عبور شارع مزدحم والعيون مغمضة؛ إن وصلت للرصيف الآخر قالوا عنك "صاحب حدس"، وإن صدمتك سيارة قالوا "مجنون". الفرق الحقيقي كان في "مزاج" الطريق لحظة العبور، لا أكثر.
نحن، القابعين في أماننا (وربما في جبننا) على اليابسة، نمتلك وقاحة الحكم بأثر رجعي. نمجد الناجي لمجرد أنه نجا، لا لأنه كان أكثر حكمة، ونقسو على الغريق لأنه غرق، لا لأنه كان أقل شجاعة.
في اعتقادي، الجرأة هي ببساطة "تهور" حالفه التوفيق، والتهور هو "جرأة" تعثرت قدمها في المتر الأخير. لا يوجد ذلك الخيط الرفيع الذي يتحدثون عنه في الكتب؛ هناك فقط نردٌ يُلقى في الفراغ، وتاريخٌ منافق -يا صديقي- لا يعترف إلا بمن بقي حياً ليروي الحكاية بصوته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آفاق حنة أرندت: الفلسفة والسياسة