ليالي الرحيل

الفصل الأول: الشيخ الأسود

كان الليل يأتي كل مساء مثل شيخ كبير يلبس ثوباً أسود طويلاً. وجهه حزين وأنفه طويل، يمشي ببطء في الشوارع الفارغة. لا يتعب أبداً من المشي، ولا يسأل أحداً إذا كان يريد زيارته أم لا.

يدق على كل باب. يدخل كل بيت. يجلس بجانب كل سرير.

في بيت صغير على طرف المدينة، كان أحمد ينتظر والده كي يعود من العمل. أمه تجلس في المطبخ وعيناها حمراء من البكاء. لا يعرف أحمد لماذا تبكي أمه كل ليلة، ولكنه يشعر أن الحزن يملأ البيت مثل الماء البارد.

الفصل الثاني: الفراش المبلل

عندما يحل الليل، تصبح الأسرة باردة والبطانيات ثقيلة. الدموع تبلل الوسائد، والأحضان تختفي. الأمهات يبتعدن عن الآباء، والأطفال ينامون وحدهم.

أم أحمد تنام في غرفة منفصلة الآن. تقول أنها تريد أن تكون وحدها. أحمد لا يفهم لماذا أصبح البيت صامتاً هكذا. لماذا لا يضحك أحد؟ لماذا لا يتكلم أبوه وأمه مع بعض؟

في الليل، يسمع أحمد صوت أمه وهي تبكي خلف الحائط. يريد أن يذهب إليها ولكنه يخاف. يضع يديه على أذنيه ويحاول أن ينام.

الفصل الثالث: كبرت يا أبي

بعد سنوات طويلة، أصبح أحمد رجلاً. يجلس مع أبيه في المقهى القديم ويشرب الشاي. أبوه أصبح أكبر سناً وشعره أبيض.

"كبرت يا أبي"، يقول أحمد. "الآن أعرف أشياء كثيرة لم أكن أعرفها من قبل."

ينظر إليه أبوه ولا يقول شيئاً.

يكمل أحمد: "أعرف الآن أن الناس يأتون إلى هذه الدنيا بدون أن يختاروا. وأعرف أن الرجل والمرأة عندما يكونان معاً، قد يأتي طفل جديد. ولكن أحياناً هذا الطفل الجديد يغير كل شيء في البيت."

أبوه يشرب شايه ببطء.

"وأعرف أيضاً"، يقول أحمد، "أن الرغبة تأتي بسرعة، ولكنها تترك وراءها أشياء كثيرة. تترك في بطون النساء أطفالاً قد لا يريدونهم. وتترك في القلوب ألماً لا ينتهي."

ينظر أحمد إلى السماء وهي تصبح مظلمة.

"والأصعب من كل هذا، يا أبي، أن الناس يتركون بعضهم. يرحلون بدون وداع. مثلما رحلت أنت عنا عندما كنت صغيراً."

أبوه لا يزال صامتاً. عيناه حزينتان مثل الليل الذي يأتي كل مساء.

الفصل الأخير: الرحيل

في النهاية، كلنا نرحل. الآباء يرحلون، والأمهات يرحلن، والأطفال يكبرون ويصبحون وحدهم.

أحمد يعرف الآن أن الليل الحزين سيستمر في المجيء. سيدق على أبواب أخرى، وسيدخل بيوت أخرى، وسيجعل أطفال آخرين يسألون نفس الأسئلة التي سألها هو عندما كان صغيراً.

ولكن ربما، في مكان ما، هناك أطفال لا يبكون في الليل. ربما هناك أمهات وآباء لا يتركون بعضهم. ربما هناك بيوت مليئة بالضحك بدلاً من الدموع.

أحمد يتمنى ذلك وهو يمشي في الشارع المظلم، بعيداً عن بيت طفولته، بعيداً عن الذكريات الحزينة.

الليل يتبعه، ولكنه لا يخاف منه بعد الآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آفاق حنة أرندت: الفلسفة والسياسة