في أجواء الحرب القاسية، لم تحمل ذكرياتي في ساحات المعارك سوى ظلال الجرذان بأعينها الصفراء الزرقاء، التي كانت تطوف كل زاوية في الخنادق القريبة من ستالينغراد. بينما تضاءلت الصور الأخرى، بقيت الجرذان رمزاً لحضور دائم في الذاكرة. بعد أن تعافيت من إصابتي، عدت من المستشفى العسكري لأجد نفسي مجدداً في الوحدة القتالية، حيث أمرني القائد بالذهاب إلى مخبأ الفتيات. عند دخولي، فوجئت بفراغ المخبأ، الذي لم يكن يحتوي سوى على مراقد عارية من أغصان الصنوبر. غافلني الجميع، فقد تركت حقيبة ظهري هناك، وفوجئت بغيابها بعد نصف ساعة؛ لقد التهمتها الجرذان بالكامل، حتى لم يتبقَ من محتوياتها شيء يُذكر. وفي صباح اليوم التالي، شهدت مشهداً مرعباً حيث أدركنا أن الجرذان التي كانت تقطن المدينة وتفر قبل القصف المدفعي، استبقت الكارثة بحدس لا تخطئه. قفزت قطعان الجرذان السوداء والرمادية إلى الحقول الكبيرة كأنها تتنبأ بالموت القادم. في تلك اللحظة، شَن الطيران هجماته، وأصبح المكان مشهداً للدمار والتدمير، حيث لم يتبقى من المنازل والقباب سوى بقايا متناثرة من الأحجار والرمال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة