في أجواء الحرب القاسية، لم تحمل ذكرياتي في ساحات المعارك سوى ظلال الجرذان بأعينها الصفراء الزرقاء، التي كانت تطوف كل زاوية في الخنادق القريبة من ستالينغراد. بينما تضاءلت الصور الأخرى، بقيت الجرذان رمزاً لحضور دائم في الذاكرة. بعد أن تعافيت من إصابتي، عدت من المستشفى العسكري لأجد نفسي مجدداً في الوحدة القتالية، حيث أمرني القائد بالذهاب إلى مخبأ الفتيات. عند دخولي، فوجئت بفراغ المخبأ، الذي لم يكن يحتوي سوى على مراقد عارية من أغصان الصنوبر. غافلني الجميع، فقد تركت حقيبة ظهري هناك، وفوجئت بغيابها بعد نصف ساعة؛ لقد التهمتها الجرذان بالكامل، حتى لم يتبقَ من محتوياتها شيء يُذكر. وفي صباح اليوم التالي، شهدت مشهداً مرعباً حيث أدركنا أن الجرذان التي كانت تقطن المدينة وتفر قبل القصف المدفعي، استبقت الكارثة بحدس لا تخطئه. قفزت قطعان الجرذان السوداء والرمادية إلى الحقول الكبيرة كأنها تتنبأ بالموت القادم. في تلك اللحظة، شَن الطيران هجماته، وأصبح المكان مشهداً للدمار والتدمير، حيث لم يتبقى من المنازل والقباب سوى بقايا متناثرة من الأحجار والرمال.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق