الباب السادس: تِيجانُ الوَرَقِ وجُنونُ العَظَمَة
الفصل الحادي والخمسون: آلهة من طين (مواجهة النرجسية وتأثير دانينغ-كروجر)
يتحطم جدار الغرفة بالكامل ليتسع المشهد السريالي، وينتقل الباحث فادي سيدو من صومعته الداخلية إلى فضاء المدينة الخارجي. المقهى الضبابي يبدو كبرزخ رمادي معلق بين الواقع والعدم. خلف الزجاج، يمتد الأفق كلوحة مغسولة بالرماد، حيث ينبعث من الأسفلت رذاذ رمادي اللون يشبه دخان البراكين الخامدة. هذا الرذاذ الرمادي الرمزي ليس بخار ماء؛ بل هو غبار العقول المتكلسة وتبخر الأوهام الفكرية التي يعيش عليها العوام، يرتفع ليتداخل مع وقع خطى الأقدام المتسارعة على الأرصفة المبتلة؛ خطوات قطيع هائم يركض خلف أقنعته اليومية خوفاً من مواجهة فراغه الوجودي.
على الطاولة الخشبية، يقبع فنجان القهوة البارد، حيث تجمد السائل الأسود في جوفه ليعكس صورة مشروخة لشخصية "المتملق الفكري" الذي يجلس في المواجهة. هذا المتملق يرتدي قناعاً بلاستيكياً لامعاً، ويبدأ ببث عبارات مديح مصطنعة ونفاق فج، محاولاً شراء صك اعتراف معرفي من الباحث ليغذي به نرجسيته الجائعة.
هنا، يتحول الحوار إلى كور مائي متدفق، يتكور فيه الكلام ويدور في حلقات سيكولوجية حادة ومغلقة، حيث يمسك فادي بمشرط التحليل النفسي ليفكك تأثير "دانينغ-كروجر" وتضخم الأنا المستلبة:
- المتملق (بابتسامة لزجة تتداخل مع صوت المطر): "أبحاثك يا دكتور فادي هي النور الفذ! نحن في هذا الشرق ننحني لإبداعك، وأنا بالذات أرى نفسي التلميذ الوفي لخطواتك العظيمة..."
- الباحث (فادي) ينظر ببرود إلى الرذاذ الرمادي المتصاعد خارجاً: «أحقاً ما زال هناك في هذا الشرق من يفكر بطريقة يطغى عليها الغباء؟ وما زال هنالك من يتوهم في نفسه العظمة لمجرد أنه حظي بموهبة عابرة في مجال ما؟»
- المتملق (ينكمش قناعه البلاستيكي قليلاً، محاولاً التكور والالتفاف): "بالتأكيد.. هناك أغبياء كثر لا يفهمونك! لكننا نحن، النخبة والموهوبين، من نملك عروش المعرفة ونعرف قيمتك.. موهبتي البسيطة جعلتني أدرك عمقك!"
- الباحث (فادي) يشير بإصبعه إلى فنجان القهوة المتجمد: «حين يتحول النفاق الاجتماعي إلى لغة رسمية للتعايش، يُصبح التملق الفكري بمثابة صك غفران يتبادله الأدعياء؛ ليحموا عروشهم الوهمية من وخز الحقيقة العارية.»
- المتملق (يتلعثم، وتدور الكلمات في فمه كحلقات مفرغة): "صك غفران؟ أنا.. أنا لا أنافق.. أنا أثني على الحقيقة!"
- الباحث (فادي) بنبرة حاسمة تفكك اللاشعور: "أنت لا ترى حقيقتي، بل تتملق ذاتك من خلالي. إن موهبتك العابرة التي تظنها عروشاً ليست سوى تاج من ورق يذوب تحت هذا المطر الرمادي. كلماتك هي آلية دفاعية يسعى بها أناك الضعيف لتعويض نقصك الحضاري عبر جنون عظمة بدائي، تماماً مثل هذا الفنجان البارد؛ تملك القشرة الخارجية السوداء، لكنك تفتقر إلى حرارة الوعي الحقيقي."
يتوقف الحوار، ويتكور الصمت بينهما ككتلة ثقيلة. تتساقط الابتسامة المصطنعة عن وجه المتملق بالكامل، لتظهر ملامح ظله المشوه والعاجز تحت ضربات المطر الشديدة على الزجاج، معلنةً تهاوي عروش الوهم المعرفي أمام سطوة الحقيقة الفلسفية الصارمة.
تعليقات
إرسال تعليق