فيلم خطأ في الوجود - المشهد 16

 المشهد 16: في حديقة عامة، نور تلتقي بأم سالم

FADE IN:

EXT. حديقة عامة - بعد الظهر

حديقة هادئة تتوسط المدينة، أشجار كثيفة تلقي ظلالاً على المقاعد الخشبية المتناثرة. صوت خفيف لضحكات الأطفال يأتي من منطقة الألعاب البعيدة.

نور (28 سنة) تجلس وحيدة على مقعد تحت شجرة كبيرة، ملابسها بسيطة لكنها مرتبة، شعرها مربوط بشكل غير مُعتنى به. تحدق في العائلات التي تلعب مع أطفالها على العشب الأخضر. عيناها حمراوان من البكاء، تحتضن حقيبة يدها بقوة.

طفل صغير يجري خلف كرة ملونة، والده يركض وراءه ضاحكاً. نور تتابعهما بنظرات حزينة، تضع يدها على بطنها الذي بدأ ينتفخ قليلاً.

أم سالم (70 سنة) تظهر من بعيد، امرأة مسنة بوجه مُتجعد لكن عينيها تشعان دفئاً. ترتدي عباءة بنية بسيطة وتحمل كيساً صغيراً من الخبز. تتوقف عند رؤية نور، تتأملها بعطف واهتمام.

أم سالم تقترب ببطء، تتوقف أمام المقعد.

أم سالم

السلام عليكم يا ابنتي.

نور تلتفت إليها مفاجأة، تمسح دموعها بسرعة وتحاول الابتسام.

نور

وعليكم السلام... تفضلي اجلسي.

أم سالم تجلس بجانبها دون تردد، تضع الكيس على حجرها وتنظر نحو الأطفال اللاعبين.

أم سالم

الحياة صعبة عليكِ، أليس كذلك؟

نور تصدم من مباشرة السؤال، تبتسم بمرارة وتهز رأسها.

نور

هل الحزن ظاهر علي إلى هذه الدرجة؟

أم سالم

(تبتسم بحنان)

عندما تصلين لعمري، ستتعلمين قراءة القلوب من العيون. وعيناكِ تحكيان قصة طويلة من الألم.

نور تنظر إليها بفضول ممزوج بالحذر.

نور

أنتِ لا تعرفينني.

أم سالم

صحيح، لكنني عرفت نفسي فيكِ. نفس النظرة، نفس الحيرة، نفس السؤال الذي يطاردكِ: لماذا أنا موجودة في هذا العالم؟

نور تفتح عينيها على وسعهما، كيف عرفت هذه المرأة ما يدور في رأسها؟

نور

كيف...؟

أم سالم

(تخرج قطعة خبز وتبدأ بتفتيتها للطيور)

أنا أيضاً كنت طفلة غير مرغوب فيها. أمي حاولت التخلص مني وأنا في بطنها، شربت كل أنواع الأعشاب وذهبت للدجالات.

نور تصمت، قلبها يخفق بقوة. تشعر وكأن هذه المرأة تقرأ روحها.

أم سالم (CONT'D)

عندما وُلدت، نظرت إلي وكأنني لعنة. قالت للقابلة: "هذه البنت ستجلب لي المصائب." وفعلاً، عاملتني كما لو كنت مصيبة.

عصافير صغيرة تقترب من فتات الخبز، أم سالم تراقبها بعينين حنونتين.

نور

(بصوت مختنق)

وماذا فعلت؟

أم سالم

قضيت سنوات أصدق كلامها. كنت أعتذر عن كل نفس أتنفسه، أشعر أنني عبء على الحياة. تزوجت رجلاً لا يحبني فقط لأنني ظننت أن هذا ما أستحقه.

نور تشعر بالدموع تتجمع في عينيها مرة أخرى.

أم سالم (CONT'D)

لكن في يوم من الأيام، رأيت طفلة يتيمة في الشارع تبكي من الجوع. أعطيتها كل ما معي من نقود. ابتسمت لي وقالت: "الله يخليكِ لنا يا طنطة." في تلك اللحظة، فهمت شيئاً مهماً.

نور

(تنحني نحوها بفضول)

ماذا فهمت؟

أم سالم

أن قيمتي ليست في كوني مرغوباً فيها من أمي أو زوجي، قيمتي في كم الحب الذي أستطيع أن أعطيه للآخرين.

طفل صغير يجري نحوهما، يتعثر ويسقط على الأرض ويبدأ بالبكاء. نور تقف بسرعة وتساعده، تمسح التراب عن ملابسه وتربت على رأسه بحنان.

نور

لا تبكِ حبيبي، أنت بطل شجاع.

الطفل يتوقف عن البكاء ويبتسم لها، ثم يجري نحو والدته التي تشكر نور من بعيد. نور تعود لتجلس، أم سالم تراقبها بعينين مشرقتين.

أم سالم

هذا هو... هذا ما أتحدث عنه.

نور

(مُتحيرة)

أي شيء؟

أم سالم

القلب الذي يعطي رغم ألمه، اليد التي تساعد رغم جراحها. هذا ما يُعطي معنى للوجود، ليس رأي الناس فينا.

نور تصمت طويلاً، تنظر لقطيع العصافير التي تأكل من فتات الخبز.

نور

لكن... ماذا لو كان والداك فعلاً لا يريدانك؟ ماذا لو اكتشفت أنك كنت خطأً منذ البداية؟

أم سالم

(تضع يدها على يد نور بحنان)

يا ابنتي، أحياناً نأتي للحياة في توقيت لم يتوقعه أهلنا، لكن هذا لا يعني أن الحياة لم تتوقعنا. ربما جئنا لنملأ فراغاً لم يعرفه أحد أنه موجود.

نور تشعر بشيء جديد يتحرك في صدرها، شيء يشبه الأمل.

أم سالم (CONT'D)

اخترت أن أحب نفسي وأن أعطي العالم ما لم أحصل عليه. تبنيت ثلاثة أطفال أيتام، أصبحوا أطباء ومهندسين. اليوم عندهم أطفال يحبونني ويناديونني "تيتا".

دموع نور تسيل بصمت، لكنها دموع مختلفة هذه المرة.

نور

كيف بدأت؟ كيف تعلمت أن تحبي نفسك؟

أم سالم

(تبتسم وتقف لتنظف ملابسها)

بدأت بخطوة صغيرة كل يوم. اليوم سأطبخ لنفسي وجبة أحبها. غداً سأرتدي فستاناً يُسعدني. بعدها سأفعل شيئاً طيباً لشخص آخر. خطوة خطوة، حتى أصبحت أحب نفسي التي بنيتها، وليس التي وُلدت بها.

أم سالم تأخذ الكيس الفارغ وتستعد للمغادرة.

أم سالم (CONT'D)

سأكون هنا كل يوم خميس في هذا الوقت، إن أردت الحديث. اسمي أم سالم.

نور

(تقف وتمد يدها)

أنا نور... شكراً لك.

أم سالم تصافحها بدفء، ثم تبتعد ببطء. نور تبقى واقفة تراقبها وهي تختفي خلف الأشجار.

نور تجلس مرة أخرى، لكن هذه المرة تجلس بشكل مستقيم أكثر. تضع يدها على بطنها وتنظر للأطفال اللاعبين بنظرة مختلفة.

نور

(همساً لنفسها)

ربما... ربما يمكنني أن أحب نفسي أيضاً.

العصافير تحلق في السماء في شكل دائري جميل، والشمس تبدأ بالغروب خلف الأشجار، ملقية ضوءاً ذهبياً دافئاً على الحديقة.

FADE OUT.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آفاق حنة أرندت: الفلسفة والسياسة