فيلم خطأ في الوجود - المشهد 15
المشهد 15
داخلي. شقة نور - ليلاً
الشقة مظلمة باستثناء ضوء خافت من مصباح الطاولة. نور تجلس على الأريكة، ملفوفة ببطانية، عيناها حمراوان من البكاء. تحدق في هاتفها المحمول بيدين مرتعشتين.
صوت طرق خفيف على الباب. نور تتجمد، تمسح دموعها بسرعة.
نور
(بصوت مبحوح)
مين؟
عادل (من وراء الباب)
أنا... عادل.
نور تتردد للحظات، ثم تقوم ببطء وتفتح الباب. عادل يقف أمامها حاملاً كيس بلاستيك صغير، وجهه يعكس القلق والحزن.
عادل
(بحذر)
ممكن أدخل؟
نور تومئ بصمت وتفسح له المجال. يدخل عادل ويغلق الباب خلفه، ينظر حوله في الشقة الفوضوية.
عادل (متابعاً)
شكلك مش بتاكلي... جبتلك شوية أكل من المطعم اللي بتحبيه.
يضع الكيس على الطاولة. نور تعود للأريكة وتجلس دون أن تنظر إليه.
نور
(بمرارة)
ليه جاي؟ خايف عليّ ولا خايف من الفضيحة؟
عادل يجلس على حافة الكرسي المقابل، يضع يديه على ركبتيه.
عادل
خايف عليكِ... أنتِ أختي.
نور
(تضحك بسخرية)
أختك؟ الأخت اللي مكانها مش في العيلة دي؟
عادل يتنهد بعمق، ينظر إلى الأرض.
عادل
أنا عارف إن أبويا قال كلام مؤذي... بس ده مش معناه إني مش بحبك.
نور
(ترفع صوتها)
حبك إيه يا عادل؟! فين كان الحب ده لما كنت صغيرة وأبويا يتجاهلني؟ فين كان لما ماما تخدمك الأكل بحب وتحطلي الطبق قدامي بالعافية؟
تقف من مكانها وتسير في الغرفة بعصبية.
نور (متابعة)
فين كان حبك لما كان أبويا يقولي إن درجاتي في المدرسة عادية، بس لما تجيب نفس الدرجات تبقى عبقري؟
عادل يقوم ويقترب منها.
عادل
(بألم)
أنا آسف... والله أنا آسف. أنا كنت صغير وماكنتش أفهم...
نور
(تواجهه)
آسف على إيه؟ على إنك الابن المرغوب فيه؟ على إن ولادتك كانت فرحة كبيرة وولادتي كانت خطأ؟
عادل يخرج من جيبه مظروف، يمده لها بيد مرتجفة.
عادل
ده كل اللي أقدر أعمله دلوقتي.
نور تنظر للمظروف بشك.
نور
إيه ده؟
عادل
فلوس... هتحتاجيها للدكتور والمستشفى... وللطفل لما يتولد.
نور تأخذ المظروف، تفتحه وتجد مبلغاً كبيراً من النقود. عيناها تمتلئان بالدموع مرة أخرى.
عادل (متابعاً)
أنا عارف إن الفلوس مش هتعوض اللي فات... بس أنا مش عايز أفشل معاكِ تاني.
يجلس على الأريكة ويضع رأسه بين يديه.
عادل (متابعاً)
(بصوت منكسر)
أنا عايش في ذنب من سنين. كل مرة أشوف أبويا بيحضني وأنتِ واقفة تتفرجي... كل مرة ماما تسألني عن يومي وتتجاهل وجودك...
نور تجلس بجانبه، تضع المظروف على الطاولة.
نور
(بصوت هادئ)
طيب ليه سكتّ؟ ليه ماقولتش حاجة؟
عادل
(يرفع رأسه لينظر إليها)
لأني كنت جبان... كنت خايف أخسر حبهم أنا كمان. بس دلوقتي فهمت إن الحب ده مش حقيقي لو كان على حساب تعاستك.
صمت يسود المكان للحظات. نور تنظر لأخيها بعيون مليئة بالألم والحيرة.
نور
أنا حامل يا عادل... وكريم سابني.
عادل
(يضع يده على كتفها)
أنا عارف... وأنا هكون معاكِ. مش هسيبك تعديها لوحدك.
نور
(بمرارة)
وأبويا؟ هيطردك من البيت لو عرف إنك بتساعدني.
عادل
يطردني... أنا مش طفل عندي ٣٢ سنة. وقت أقف جنب أختي.
نور تنظر إليه لأول مرة بشيء من الأمل المختلط بالشك.
نور
ومش حاسس إن أنا فعلاً جبت العار على العيلة؟
عادل يهز رأسه بقوة.
عادل
لأ... العار الحقيقي إننا سبناكِ لوحدك كل السنين دي. إن أنا سكتّ وخليت أبويا يكسرك من جوه وأنا شايف.
يقف ويقف أمامها.
عادل (متابعاً)
أنتِ مش خطأ يا نور... أنتِ أختي وأنا بحبك. ولو أبويا مش شايف قد إيه أنتِ إنسانة كويسة، ده مش ذنبك أنتِ.
نور تقوم وتعانقه بقوة، تبكي على كتفه. عادل يحتضنها ويربت على ظهرها.
عادل (متابعاً)
(بصوت خافت)
هنعديها سوا... أنا وانتِ والطفل الجاي. وهنعمله عيلة محبة مش زي اللي اتربينا فيها.
نور تفلت من العناق، تمسح دموعها.
نور
(بصوت مليء بالامتنان)
شكراً... ده أول مرة من زمان أحس إن حد فعلاً شايفني.
عادل
أنا آسف إن ده اتأخر كتير.
نور تبتسم ابتسامة حزينة لكنها حقيقية.
نور
المهم إنك جيت دلوقتي.
عادل يلتقط الكيس من على الطاولة.
عادل
تعالي كلي حاجة... لازم تاكلي عشان الطفل.
نور
(تهز رأسها)
مش قادرة... معدتي مقفولة من الزعل.
عادل
(بإصرار لطيف)
ولو ملعقة واحدة... عشاني.
نور تتردد ثم تومئ برأسها. يجلسان على الطاولة، عادل يفتح علب الطعام بينما نور تراقبه.
نور
عادل...
عادل
(ينظر إليها)
أيوه؟
نور
خايفة أكون أم وحشة... زي ما هما كانوا أهل وحشين ليا.
عادل يتوقف عن فتح العلبة، ينظر لها بحنان.
عادل
مستحيل... أنا شايفك مع العيال في المدرسة. أنتِ عندك قلب كبير مليان حب... والطفل ده هيكون محظوظ إنك أمه.
نور
(بصوت خافت)
بس هعمل إيه لو مقدرتش أحبه؟ لو طلع زيي... مش مرغوب فيه؟
عادل
(بحزم)
ده مش هيحصل. أنتِ مختلفة عنهم... أنتِ تعبانة من جواكِ عشان عارفة أد إيه الإهمال بيوجع. مش هتعمليه في حد تاني.
نور تومئ برأسها ببطء، تأخذ الملعقة من يده وتبدأ في تناول القليل من الطعام.
الكاميرا تبتعد تدريجياً لتُظهر الأخوين جالسين معاً في الضوء الخافت، لأول مرة في سنوات طويلة يتشاركان لحظة حقيقية من الحب والدعم المتبادل.
فيد إلى الأسود
تعليقات
إرسال تعليق