في لحظة الموت، تُطوى صفحات الحياة وتخلد الذكريات. سيتوقف العدّ والتحليل، وسترتاح الملائكة من تسجيل زلاتي ونسيانها لي كحفنة تراب كانت تتحدث وتمشي. سينجو إخوتي من قيود القلق والخوف، يطول قاماتهم وتتغير حكاياتهم، لينسجوا قصة جديدة تخلو من صدى صرخاتي البائدة. أما أبي، فسيحمل قميصي ليس كرمز للذكرى، بل كعلامة للنجاة، وسيمزّق بياض عينيه ليحوله إلى راية حزن يعلقها على باب القلب. في المقابل، ستعيش أمي الحزن بأسلوب غير اعتيادي، تفرح بنوع من الطقس المهيب، حيث ستدور حول الحداد وتطلق الزغاريد كما في عرس. تخلع ضفائرها وتحطم أعراقي لتشعل بها نارًا تطهر بها اسمها من ظلالي التي كبرت فيها، وتعيد صياغة هويتها بعيدةً عن ضجيجي.
سأموت وستنتهي معي دورة من الوجود البشري، وسيريح موتي الملائكة من مهمة عدّ الزلات والآثام التي ارتكبتها. ستطوى الصفحات المليئة بالأخطاء، وسأغدو ذكرى بعيدة لحفنة من التراب كانت تتحرك وتتحدث في هذه الدنيا. إخوتي، ومع مرور الوقت، سيفلتون من قيود الماضي التي جثمت على أرواحهم، وستزمجر أصواتهم بأغانٍ لم يكن لهم الشجاعة لغنائها من قبل، متحررين من عبء الصراخ الذي راكبني. أما والدي، فسيحتفظ بقطعة من ملابسي، ليس كذكرى، ولكن كرمز للنجاة من الألم والضياع، ويمزق سواد عينيه ليزين به مدخل قلبه كإشارة للحزن الذي لا ينضب. وأمي، بحنانها الفطري، سترقص في المآتم وكأنها تحتفل بزفاف، مستعيرة الفرح من قلب الحزن، ملوحة بجدائلها القديمة لتكسر بها أغصان الماضي، وتشعل نارًا تطهّر بها ذِكْرَها مني ومن آثاري المتلاشية.
الحياة، مثل الشجرة، تحتاج للعواصف كي تقوى جذورها، ونحن نعيش أحياناً كحفنة تراب تمشي وتتكلم، ننسج قصصاً ونكتب أقدارنا بحبر اللحظات. عندما نموت، نترك خلفنا قصصاً لا أجساداً، تتراكم كأوراق الشجر تحكي للريح عنّا. الحزن يعلمنا أن القلب أكبر مما نظن، فكأنه ينحت في دواخلنا مدينة من الذكريات. نرى الأم تبكي بعينيها وترقص بروحها، تحمل أفقاً واسعاً لا يعرف لليأس طريقاً. الغياب أحياناً يجعلنا نفهم معنى الحضور، وكأننا لم نعِ قيمة الأشياء إلا حين تبتعد. نحن لا نختار متى نأتي، لكننا نختار كيف نعيش، نختار أن نكون قوة تتحدى الألم وتكتشف في أعماقها قوة لم نعرف أنها موجودة. حتى التراب له حكايات يرويها للريح، والموت ليس نهاية القصة، بل بداية ذكرى جميلة تتخلد في صفحات النسيان. أبي سيمسك بقميص كنجاة، وأمي سترقص في المآتم كما لو كانت عرساً، يتحول الحزن على يديها إلى زغاريد تُعلن مدى شجاعة القلب على الاستمرار رغم الغياب. القصة دائماً تُحكى، والموت جزء منها، يضيف لها معاني أعمق. صدّق أن للألم دور في تهذيب أرواحنا وترسيخ جذورها في الحياة.
امرأةٌ تحمل في طياتها سحرًا يجذب الأنظار، تجمع بين الجمال الغامر والانوثة الرقيقة، حيث تتسابق آلهة الليل ليهمسوا في أذنيها كلمات الشعر المسحورة، فتتحول تلك الكلمات إلى مشاعر ملموسة تنبض بالحياة. إنها امرأة يعانق جسدها دفء الليل، ويوقظ صباحها مآذن الفجر المنتصبة بشموخ، كل خصلة من شعرها قصيدةٌ ترتلها الأنوار، فتشهد عليها نجوم السماء. كانت الشخصيات الأدبية تسعى إلى الاقتراب منها، طمعًا في أن ينالوا بعضًا من ذلك الإلهام الذي ينبع من كل جزء فيها. تلك المرأة، بإشراقها وروحها الملهمة، تظل مصدرًا للخيال والابداع المستمر.
تعليقات
إرسال تعليق