كانت جدتي الشريفة زين محمد صادق، والدة أبي، من أصول شريفة ببكَّة، وقد تربت في تركيا حيث اكتسبت مهارات موسيقية مميزة كعازفة عود بارعة. في تركيا، كان تعليم العزف على العود له نفس الأهمية التي يحظى بها تدريس البيانو في مصر. تعلَّمت جدتي قراءة وكتابة النوتة الموسيقية، وكانت تُخرِج العود بين الحين والآخر لتعزف مقطوعات تأسر قلوب المستمعين من حولها. أذكر أنني كنت أترك اللعب فور سماعي لأوتارها تترنم، مما ساعدني على تنمية مهاراتي الموسيقية منذ الصغر. اشترت لي أول آلة، وهي الميلوديكا، ومكنتني من التمرس على العزف على آلتي موسيقية يمكنها عزف الألحان بمساعدة أصابع بيضاء وسوداء، رغم أنها لم تكن تلبي كل احتياجاتي الموسيقية مثل البيانو. ومع بداياتي في التعليم الابتدائي، تبيَّنت موهبتي الموسيقية ووجدت دعماً من مدرسي، الذي قادني إلى غرفة الموسيقى لاختيار آلتي الموسيقية الجديدة، حيث اكتشفت الكورديون المشابه للميلوديكا. لاحقاً، وجدت نفسي محظوظًا بلقاء الأستاذ يوسف كالينيان، الذي درّبني على البيانو في جلسات خاصة، بينما تابعت تعليمي في المعهد العالي للموسيقى. رغم مصاعب الدراسة الجامعية في تخصصات لم أرغب فيها تمامًا، كالفلسفة بدلاً من الأدب الإنجليزي، إلا أنني تابعت شغفي بالموسيقى حيث حصلت على جائزة لأفضل عازف أورغ على مستوى الجمهورية. فبفضل دعم أساتذتي القديرين في مجال الموسيقى، تمكنت من صقل موهبتي وتحقيق نجاحات ملحوظة.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق