الوجود الإنساني متجذر في مجموعة معقدة من التعريفات والتجارب التي تتجاوز مجرد كونه بشرًا أو حيوانًا أو حتى عنصرًا من الطبيعة. فالبشر قد يكونون في جوهرهم حيوانات، لكن تم تميزهم بقدرتهم على التفكير والمشاعر العميقة التي تربطهم بعالم أوسع من التباينات بينها الضوء والظلام، والموسيقى، وحتى الرياح والأمطار. هذه التوازنات والتناقضات تجذب الإنسانية نحو استكشاف الجوانب المضيئة والمظلمة في النفس البشرية. فمنهم من يرى الخير في كل مكان وينسى الشر المحيط، وإذا به يعيش في صراع دائم مع ذاته يكشف عن طيبة قديمة أو شر قديم. مثلما يتواجد الشخص الذي يساعد والده على الموت برفق، يوجد آخر يدفع امرأة لتكون عاهرة، مما يعكس مدى التعقيد في السلوكيات والدوافع البشرية. علاقتنا بالنباتات والآلات والعواطف والخيانات تذكرنا بأن الزمن عابر، وأن اللحظات الصغيرة التي نقتنصها للعيش بحب وصدق، هي ما يترك أثرًا دائمًا في ذاكرة ضعيفة قد تسامح نفسها في النهاية، إذ أن الموت ليس نهاية بل بداية لتقدير قصص لم تُحك من قبل.


الوجود البشري معقد ومتعدد الأوجه، فهو يتجاوز التعريفات البسيطة التي تُصنفه كبشر أو حيوانات أو حتى نباتات. الإنسان ليس فقط مخلوقاً بيولوجياً يعيش ويتفاعل داخل نظام إيكولوجي بل هو أيضاً نتاج مشاعر وأفكار تتناقض أحياناً وتتوازن في أحيان أخرى بين النور والظلمة، بين الخير والشر، مثل سيمفونية كونية ترتفع نغماتها وتتلاشى. نحن أيضاً مشتركون في لحن الطبيعة، ننسجم مع ماء المطر وصرير الرياح وهمسات السماء، مما يشكل جوهر الإنسانية في فهمها للكون والوجود. كما أن السعي لتحقيق التوازن بين المشاعر المتناقضة هو ما يجعلنا نستنير باللحظات القليلة التي يتم فيها التسامح والغفران، خاصة مع الوعي بأن الحياة زائلة ونعيشها في تلاحق الذكريات والمغفرة. فالوقت المتبقي لنا، مهما كان قصيراً، يتطلب منّا احتضان اللحظات وحملها بحب وعاطفة، لئلا تبقى مجرد شذرات من الذكرى قد تُغفر أو تُنسى.


الذين يقولون إننا بشرٌ فقط ينسَون أننا حيوانات أيضًا. والذين يقولون إننا حيوانات فقط ينسَون أننا نباتات كذلك. والذين يقولون إننا مجرد نباتات ينسَون أننا ضوءٌ وظلمةٌ معًا.

الذين يقولون إننا التباين الحاد بين الضوء والظلال ينسَون أننا موسيقى أيضًا - موسيقى المياه والريح والسماوات. والذين يقولون إننا أخيارٌ ينسَون كل شر العالم، والذين يقولون إننا أشرارٌ ينسَون رحمة النظرة الطيبة.

أنا الرجل التي ساعد أباه على الموت، وأنا الرجل الذي حوَّل امرأةً إلى عاهرةٍ مع زبونها. أنا النبتة التي نمت بين الصخور، وأنا الآلة التي حصدتها. أنا عشيقك الغيور وزوجك الخائن.

اِغتنمي هذا الوقت القصير المتبقي لتنعمي بي وتُعذبيني، فما سيأتي لن يكون سوى ذاكرة ضعيفة وربما غفرانًا متأخرًا بسبب عدم موتنا في اللحظة ذاتها.

تعليقات