على رصيف الحياة حيث تتقاطع الأحلام مع الواقع، يقف الطفل بعينيه البريئتين، عارضًا حلوى بسيطة لكنها ثمينة في عالمه، لكل من يمر. يشع من ملامح وجهه اليأس، إذ واقع أمّه التي تفتقد إلى نعيم الأمومة يقف عاقرًا أمام احتياجات الصغير. وعلى شرفة الأعمى، تتمايل وردة وحيدة باحثة عن قطرة الماء التي قد تمنحها شريان الحياة قبل أن تتلاشى في جفافها، في حين يقف الحذاء الذي امتلأ بالماء كرمز للغرق في تفاصيل متناقضة. الحياة تبتسم بخبث وتخاطب القلب المثقل بالحزن، فتبدأ كلماتها الموحشة بتفكيك أزرار قميص ألمه، فتتزايد الوجيعة وحدةً، زرًا بعد زر.

في زوايا السماء البعيدة، ينادي غيمٌ وحيد عاشقته الخيالية، مستجمعاً في ندائه الحزن والاشتهاء. "تعالي"، هكذا يهمس بين طيات الغمام، متحدّثًا إلى رفيقة الأحلام. لقد أثقل عليه عبء صمت الخواء وضجيج الغياب، بينما يستريح الذئب في دفء الأمومة التي اعتادها. تأوهات روحه تبوح بتعَبها من الزيف والأناقة المرهقة، ومن ثقل الأعراف الباردة. إنه يبحث عن دفء الحضور قبل أن تتلاشى آثار عطر الماضي، قبل أن تملأ الحديقة العارية أصوات نواح الغربان؛ أطفال عالمه المحطم. في الواقع البارد والبؤس المتكرر، ينتظر بشغف وشوق ذاك الحضور الذي يبدد سكون وحدته.

في سكون الظلام وحيث تنسج الأحلام، يصارع الأب في رحلته مع دميته الصامتة، منتظرًا بفارغ الصبر أن تنطق له بكلمة "بابا". سنوات طويلة، بلغتُ خمسة وأربعين عامًا، وأنا أهيم بهذه الدمية، أمل في استجابة تروي عطش قلبي الأبوي. الدمية التي كانت شاهدة على طفولتي، رافقتني في شبابي، وستظل شاهدة على كهولتي، لكنها لم تصدر صوتًا يعبر عن حنانها أو اعترافها بيّ كأبٍ لها. في لحظة من التأمل، أفتحُ قميصي ليملاًها دفء مشاعري، لكني أكتشف خيبة الأمل؛ إذ لا يوجد قلب ينبض في صدري، ولا تفاعُل يصدر من الدمية. وحين تفوح خمرة جسدي بعطر الحب الأبوي الذي لا يُقابل بأيّ تجاوب، أُدرك أن الدمية التي رافقتني منذ الطفولة كانت مجرد خسارة في حياتي، وذكريات عابرة في رحلة البحث عن الأبوة.

في خضم ازدحام المدينة وصخبها، أجد نفسي أركض بلا توقف، معتادًا على مواصلة التحرك في زحمة الحياة التي لم تعلمني سوى هذا. أنا الهارب من جلبة اليومي والمألوف، وُلدتُ في قلب هذه المدينة المتراكمة بالضجيج والأرواح المتداخلة. أجد نفسي أمدّ يدي نحو مصيدة غير حقيقية، أستعيرها لا لأحتجز بها قلب امرأة، بل لأغرق في مهنة مختلفة؛ مهنة البحث عن القصيدة في زوايا التحدي والصمت. هذا الغرق ليس انقطاعًا عن الحياة، بل هو سعي لتلمّس جوهرها المخفي، مغامرة في أعماق الذات للبحث عن التعبير الخالص الذي لا يمكن أن تصفه الكلمات العادية. هو هروب من السطح، ليصبح غوصًا في الباطن، حيث تتكسر الحواجز وتصبح القصيدة واقعًا محسوسًا يحررني من قيد الحياة اليومية.

تبدو المسافة بيني وبينكِ مغمورة بالدموع، وكأنها بحر لا يُروى إلا من دمع الفراق والحزن الخفي. إنه بحر لا يحتوي على ماء، بل إن دموعي هي ما يمنحه الحياة بحزنها العميق، لتصبح الأسماك فيه مثل المراكب، تسبح ببطء وبحزن غريب، وكأنها تشاركنا الآلام والآمال الغارقة في الصمت. تتحول تلك الدموع إلى لغة بيننا، لا تُفهم إلا في سكون اللحظات والمشاعر التي تسبح في أعماق القلوب، تحمل الأسماك رسائل لم تُقال ووجد لم يُبوح به، فنظل نحن رغم الفراق والدموع، مترابطين في بحر من الحسرة.

تعليقات