في عمق الكلمات تتجلى صورة الوطن الذي أصبح بعيدًا عن متناول الأيدي والعقول. فإن أمانينا، رغم خفتها، ترتفع نحو السماء كما لو كانت تُحمل على أجنحتها، وتنساب في سريان مريح كأم تُهدهد طفلها بأنشودة مليئة بالشوق والحنين. نحن هنا نحاول التغلب على قيود الحياة وآلام الفقدان، ونبحث عن ذلك الفضاء الذي يمكن أن يجمع شتات أحلامنا ويحولها إلى واقع ملموس. زمن الحلم يتلاشى بين أصابعنا، ومع ذلك، لا نفقد الأمل في إمكانات الفجر الذي لم يصل بعد، ونستمر في كتابة القصائد التي، رغم كل شيء، تحمل في طياتها نقشًا لمنفى جديد يجد فيه أبناء المنفى وطنًا خاصًا بهم يرونه في الخيال أكثر من الواقع. في هذه السردية المعقدة، يتحد الخيال بالواقع ليشكل نسيجًا متينًا لا يزول، ويمنحنا مساحة للتجربة والمحاولة بلا كلل أو ملل، حيث يظل كل تحدٍ خطوة نحو ذلك الوطن الذي نحلم به.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق