الوداع الأخير

منذ ذاك اليوم الذي ودعته فيه بابتسامة غسلت شحوب جوارحه، تغير عالمها بأسره. كان رحيله طويلًا، وكانت عيناها مرآة لذاك الرحيل، تفيض منهما دموع تضاعفت كلما طال الغياب.

عندما ازداد الشوق، لم تجد سوى خيال تراه في كل زاوية، ينفث في قلبها لهيب النار. كانت كلما لاح طيفه، تشعر بلسان الشوق يمتد ويتذوق ملح الوجع الذي لم ينفك يرسم خطوطاً من الألم على قلبها. كانت تلعق تلك النذور بمرارة حزينة، لكنها لم تكن تعرف سوى هذا الحب الملتهب الذي تركه وراءه.

في إحدى الليالي، بينما كانت تجلس بجوار النافذة، تحدق في نجوم السماء تنتظر عودته، سمعت صوت خطوات هادئة تقترب من باب بيتها. توقفت أنفاسها، وخفق قلبها بشدة كأنه يعلم بعودته. عندما فُتح الباب، وقف أمامها، عائداً من غيابه الطويل.

لعينها لم تصدق أنه عاد فعلاً. كانت ابتسامته نفس الابتسامة التي غسلت شحوب جوارحه، لكنها هذه المرة كانت محملة بحب لا يوصف. اندفعت نحوه، عانقته بقوة، ولم يسعها سوى أن تغمره بالدموع التي استوطنت محجري عينيها طوال تلك الأشهر.

قال لها بصوت مليء بالشوق: "لم أنسَكِ لحظة. كنتُ أحلم بالعودة إلى هنا، إلى حضنكِ الدافئ."

بادلته الابتسامة وهي تقول: "عرفت أنك ستعود، لأن الحب الذي يربطنا أعمق من أي غياب، أقوى من أي شوق."

كانت لحظة اللقاء هذه كأنها نسمة ناعمة في ليلة شتاء باردة، كسرت جمود الأيام الماضية وأعادت للحياة ألوانها. وعندئذ، أدركت أن الوجع قد زال، وأن الحب الذي حملته في قلبها كان السبب الحقيقي لعودته، وفرحها للقائه لا يمكن وصفه، لأن الأحلام أصبحت حقيقة.

وهكذا تلاشت أيام الشوق والبعد بين ابتسامات اللقاء وأحضان الدفء، حيث كان الحب هو الأداة التي رافقتهم في كل خطوة، ولم يعد للوجع مكان في حياتهم بعد الآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة