الرصيف الأدبي ...

******************

مع المبدعة الشاعرة فاطمة عايق 

********************************

قراءة انطباعية لقصيدة “السماء الثانية “للشاعرة فاطمة عايق

***********************************************************

بقلم رئيس تحرير مجلة رصيف 81 المهندس فادي جميل سيدو

***********************************************************

كتبت الشاعرة فاطمة عايق:

السماء الثانية

مُرْ بي وفي سقف الزمان تصدُّعٌ

وارفع لذاك السقف راية ناظمِ

واشبك أكفَّ الريح قبل نشوزها

علّق على الأستارِ ذكرى عازمِ

إذ نال من قلبي الرجوعُ بخيبةٍ

ما لم ينلهُ الوارثون لغارمِ

أشهدتُ ليلي والدموع بِوابلٍ

أنَّ الصلاةَ على العيون مآثمي

قفْ للسلامِ على الغرامِ لِقِبلةٍ

وجَّهتُ فيها للسماء مظالمي

قلبي وما يدريك ما قلبي وما

أدركتَه بتهجُّدٍ وتراحُمِ

قالت لي الأيام قبل ضياعها

مالم تقله موائدٌ للصائمِ

والماء دون الفيه يفرش ضفَّةً

للروح تبلغُ غصَّةُ المُتناغمِ

لو مال غصني للربيعِ وزهوه

لنزعته وزرعته بهزائمي 

فاسلك سبيلَ البُعد دونك ما ترى

فيه النعيم بشرعة المُتقادمِ

دع لي جحيم القُرب يوقد ويله

إني نقشتُ على هواه خواتمي

أنا من جعلتُ منَ الهوى أُرجوحةً

سقطتْ ولستُ على السقوطِ بنادمِ

///////////////////////////////////////////

قصيدة "السماء الثانية" للشاعرة فاطمة عايق تختزل في طياتها عمقاً شعورياً وصوراً بلاغية معبرة تعانق السماء بلغة شاعرية تنبض بالحياة والأحاسيس. القصيدة تنسج من الكلمات لوحة فنية تحاكي تصدعات الزمن وتحولاته، وترفع الراية عالياً في وجه الزمان، معلنةً تحدياً وإصراراً على الإبداع والتجدد.

يتجلّى في الأبيات تشبيه الشاعرة للريح بأكف مشبوكة قبل أن تتمرد، ما يعكس محاولة للسيطرة على العناصر الطبيعية وتحويلها إلى ذكرى معلقة على أستار الزمان، كناية عن تحدي الصعاب والإصرار على ترك بصمة واضحة في مسيرة الحياة. هذا التصوير يعبر عن رغبة الذات الشاعرية في الانتصار على الزمن وتحويل الألم إلى إنجاز يُذكر.

العودة بخيبة إلى القلب والشعور بخسارة لم ينلها الورثة للغارم، يكشف عن حساسية عميقة تجاه الخسارة والألم، بينما يشير أحد الأبيات إلى تحوّل الدموع إلى وابل شاهد على الألم والعذاب النفسي، معتبراً الصلاة على العيون بمثابة مآثم، في إشارة إلى الألم الذي يغلف الروح ويؤثر على النظرة إلى الحياة. هذه القصيدة تفتح أبواب التأمل في عوالم الذات وتحديات الوجود، مقدمةً بذلك تجربة شعرية غنية بالمعاني والرموز.

القصيدة تعتبر من القصائد المعاصرة التي تحمل بين طياتها عمقاً فكرياً وجمالياً، حيث تمزج بين الصور الشعرية الرقيقة والمعاني العميقة بأسلوب يحاكي الروح ويخاطب الوجدان. تتناول الشاعرة في هذه القصيدة موضوعات الحب والفقد والتأمل في الوجود، مستخدمة الطبيعة كرمز للحياة وما تحمله من تجارب ومشاعر.

في بيت شعري، تدعو الشاعرة إلى التوقف للسلام على الغرام، مشيرة إلى أهمية الحب في الحياة وكيف أنها توجه شكواها ومظاليمها إلى السماء، رمز للعلو والسمو والتجلي. الإشارة إلى "قبلة" تحمل في طياتها دلالات الصلاة والتوجه نحو القدسية في العشق.

أما في بيت شعري آخر، فتتحدث عن القلب وما يخفيه من أسرار وأحاسيس قد لا يدركها الآخرون. تستخدم الشاعرة تعبير "بتهجُّدٍ وتراحُمِ" للدلالة على العمق الروحي والعاطفي الذي يمكن أن يتم استكشافه من خلال الصمت والتأمل والرحمة.

في أبيات أخرى، تتحدث عن الأيام وما تخبرنا به قبل أن تضيع، في إشارة إلى الحكمة التي تأتي مع الزمن وتجارب الحياة. وتمثل الإشارة إلى الماء الذي "يفرش ضفة" صورة للحياة والتجدد، وكيف يمكن للروح أن تجد السكينة والراحة حتى في لحظات الألم والتناغم.

تعتبر هذه القصيدة دعوة للتأمل في الحياة وما تحمله من عبر ومشاعر، مع التأكيد على أهمية الحب والتوجه الروحي كملاذات للإنسان في رحلته الدنيوية.

القصيدة، تعتبر تجسيداً رمزياً للصراع الداخلي والتحول النفسي الذي يمر به الفرد. في خضم الشعور، يبدو أن الشاعرة تتحدث عن رفضها للجمال الزائف أو المؤقت الذي يمثله الربيع وزهوه. فهي تفضل أن تزرع غصنها في هزائمها، وهو ما يعكس قبولها بالتجارب الصعبة كجزء أساسي من تكوين شخصيتها ونموها الداخلي.

الدعوة إلى سلوك سبيل البُعد وترك النعيم المتقادم يمكن تفسيرها على أنها دعوة للتحرر من الماضي والتقاليد القديمة التي لم تعد تخدم الذات في رحلتها نحو التطور والنمو. هناك تأكيد على أهمية الاستقلالية وضرورة اتخاذ الطريق الأصعب أحيانًا لتحقيق الذات.

في أخر القصيدة، تسلط عايق الضوء على مفهوم النمو من خلال الألم والتحديات. تحثنا هذه الأبيات على التفكير في كيفية تأثير تجارب الحياة على تشكيل أفكارنا وسلوكياتنا، وتشجعنا على اعتناق التحديات بدلاً من البحث عن الراحة في الألفة المتقادمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

آفاق حنة أرندت: الفلسفة والسياسة