بين الفنّ والفلسفة ينسج خيط دقيق، حيث تتلاقى رؤية الفنّان مع تأمّلات الفيلسوف لتخلق عمقاً يفوق ما تراه العين. هذا الترابط الجوهري برز جلياً في تجربة براء، الذي وجد من خلال تأمّله لأعمال والده مالك، دفعة قوية لتنمية شغفه بالرسم. فقد اكتسب براء من والده، الفنان المتخصص في رسم الشوارع الدمشقية القديمة واللقطات البانورامية للجامع الأموي، فهماً جديداً لأهمية النظر بعمق إلى التفاصيل المخبأة وراء كل ضربة فرشاة وخط قذّافة للفكرة. تتمازج الفلسفة هنا ليس فقط لتشكيل نظرة فنية عميقة بل لتكون بمثابة مطرقة تطرق وعي الفنّان، محفزة إياه أن يستوعب ويجسد بفرشاته الفكرة بمجملها وليس شكلها الفقط. هذا الانزياح نحو العمق جعل من تجربة الرسم لدى براء ليست مجرد محاكاة للواقع، بل تفسير فلسفي لكل معطى من معطيات البيئة البصرية المحيطة به.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق