تنقشع الأساطير حين تُمسي هالةً ذات ألق عتيق، أنثى كوردية تتجلى كأحد المستودعات السرية لأسرار الأرض والنباتات الأصلية. تخطو بخفة عبر السهوب، حيث تُنسَج غلالة من الحقول التواقة لحبات الحنطة المثقلة بالتاريخ العريق. تُغطى الطرقات بظلال مساءات تأخذ لون الوحي الغامض، وتمتزج فيه شفافية الندى بأريج الورود الباكر ونضارة الأقحوان المثيرة بلمسها المباشر. إنها سيمفونية تتفتح في رمش كل عين من عينيها، ما يَخرجُ منها نشيدٌ يُفتتحُ بالرغبة في الغوص إلى أعماق المتاهة العصية على الفهم. وتلك الابتسامة الطائشة المنطلقة برقتها الخفية تكشف عن عذوبة غرامًا لا يُقاوم على شفتيها، تروي قصة عشق مُخبأة في تجاويف الزمان. هو جمال يُبهر العيون ويستلهم الأقلام، حيث تلتحم الأسطورة بواقع ساطع في كثافته، وتتجسد في كل نظرةٍ وابتسامة.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق