على مر العصور، ظل البحر يحمل في طياته أسرارًا تتجاوز حدود الزمن، حيث تلعب الأمواج دور الفنان الصامت الذي يحوّل الأحياء المفقودة إلى لآلئ براقة تحتضن قاع البحر. يشهد هذا العالم السفلي عملية تحول مدهشة، حيث تفنى الكائنات في دورة الحياة، لكنها تتجدد في هيئة روائع طبيعية تتحدى الفناء. تُلقي الأحياء المتحللة بأنفسها في الأعماق، لتعيد تشكيل جوهرها في أشكال جديدة تنبض بالجمال، تنتظر من يكتشفها ومن ثم يقدّر قيمتها. هذه التحف الفنية التي يصنعها البحر من مخلوقاته تصمد أمام الزمن، مما يعكس قدرة البحر على منح الحياة الأبدية بطرق مبتكرة. وهكذا، يصبح البحر كناية عن التجدّد والأمل، حيث لا يمثل الموت نهاية، بل بوابة لبداية جديدة حيث تتحول الفناء إلى جمال خلاب في هيئة لآلئ تتلألأ بانتظار صياد ماهر يكتشفها. هذه القدرة التحويلية للبحر تجعله رمزًا للعظمة والخلود، وتتحدى مفهوم الزمن بقدرته على إعادة بعث الحياة من رمادها.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق