ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
المشاركات الشائعة من هذه المدونة
آفاق حنة أرندت: الفلسفة والسياسة
حنة أرندت: المفكرة الصعبة بين الفلسفة والسياسة مقدمة حنة أرندت تعتبر واحدة من أبرز الشخصيات الفكرية في القرن العشرين، حيث تتميز بقدرتها الفائقة على التحليل النقدي للأوضاع الاجتماعية والسياسية الراهنة. وُلدت أرندت في زمن شهد تحولات عميقة ومستمرة، وهو ما ساهم في تشكيل رؤيتها الفلسفية وتوجهاتها الفكرية. اشتهرت بأعمالها التي تعمقت في تحليل معاني السلطة والحرية، حيث كانت تطرح قضايا أساسية تتعلق بطبيعة الأنظمة الشمولية وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات. كان لأرندت رؤية ثاقبة في فهم ديناميكيات السلطة والعلاقات الإنسانية، وساهمت بشكل كبير في تطوير الفكر السياسي المعاصر من خلال نقدها المتعمق للأنظمة وكيفية تأثرها بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي عاصرتها. فقدمت أعمالاً بارزة مثل "أصول الشمولية" و"الشرط الإنساني"، التي أصبحت مرجعًا هامًا لفهم طبيعة السلطة وضرورة صون الحرية في عالم مضطرب. طفولة حنة أرندت وتأثيراتها المبكرة ولدت حنة أرندت في عام 1906 في مدينة ليندن بروسيا، والتي كانت جزءًا من الإمبراطورية الألمانية حينذاك، لعائلة ذات أصول يهودية. تأثرت تجربة طفولتها بعمق بالأح...
إنه يمتاز بشخصية مركبة ومعقدة، حيث يبدو أنه يعيش في حالة دائمة من التغير والتحول. لا يتوقف عن إعادة تشكيل ذاته باستمرار، متجاوزاً حدود الكينونة التقليدية، ليصبح كل يوم شيئاً جديداً لا يمكن التنبؤ به. هذا التحول المستمر، الذي يمكن وصفه بالسرمدي، يجعله في حالة دائمة من الغموض والتجدد. إنه شخص يمكنك التعرّف عليه بسهولة في زخم الحياة اليومية، لكن عمق شخصيته المتغيرة دون توقف يجعل فهمه بالكامل مهمة مستحيلة. في كل مرة تحاول الوصول إلى جوهره، تدرك أنك أمام لغز حيّ يتجاوز الفهم البسيط، محتفظاً بجاذبية تجعلك ترغب في التعرّف عليه أكثر، رغم استحالة الوصول لكامل حقيقته. أستحضر أمام ناظري مشهداً قديماً لأمسية شتائية يتيمة، كأنني أمشي في أزقة مبللة بمطر عبثي يُثقل الروح بأحمال الذكرى. كل خطوة تُعيدني إلى لحظات تسكن فيها الذاكرة، فأتعثّر بين ثناياها، باحثاً عن شذرات من الابتسام تدفئ برد الحاضر. تلك اللحظات تبدو كنسمة خفيفة تعبث على وجهي، تحيل حبيبات المطر إلى بخار يتلاشى في زوايا النسيان. ورغم أن النصوص تسكن صفحات العقل، إلا أنني أدرك جيداً أنني بتلاعبي بالكلمات أعبث بأوتار الماضي، لأعيد تشكيله...
تعليقات
إرسال تعليق