الاستمرار في حارات الوجود الخاوية على بصائرها تمثل تجربة مليئة بالرهبة والشعور بالضياع. في هذه الأحياء، يظهر كل شيء من حولنا كأنه قد فقد بريقه وانتهك بروحه، حيث تبدو الأمور في تدهور مستمر نحو هاوية العدم. الأجواء المشحونة بالفراغ والافتقار تتجلى في كل زاوية وكل ملمح، حيث يُستسلم للأصل الأول: العدم. في هذا المحيط المظلم من الخمود، كل محاولة للخلاص تبدو وكأنها جهد لا طائل من ورائه، حيث يجد الجميع أنفسهم محاصرين في دوامة لا نهاية لها من الضياع والتدهور المتواصل. هذه البيئة القاسية تعمل على إظهار أضعف جوانبنا وأقلها حكمة، مما يجعلنا نعيش في دائرة مفرغة بلا مخرج، مما يعكس بؤس الواقع الذي نحاول جاهدين الفرار منه. هذا الواقع الحزين يدفعنا للتفكير بعمق في مفهوم وجودنا ومعنى الحياة. ربما نحتاج إلى بصيص من الأمل أو تجديد النظر في طرق مواجهة هذا الوضع القاسي. في النهاية، يبقى السؤال: هل بإمكاننا العثور على طريق للخلاص وسط هذا الظلام المستبد، أم أن مصيرنا المحتوم هو الانزلاق إلى هاوية العدم؟
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق