بين نغم الحفيف ودندنتي الحزينة، استنزفتُ نجوم القهر، وأرضعتُ الأنين ناياً، ليصبح لحنه عنواناً للأحزان والآلام. في كل نفخة أطلقتها في روح الناي شُحنت بمشاعري الأثقل، تجلت توصيفات حزينة في كل نغمة، فكان البكاء عزفاً منفرداً لا يشاطرني فيه أحد. هذا المشهد الشعري يعبر عن حامل الحزن الذي يعجز عن البوح بالكلمات، فيجد سلواه وأصدق تعبيراته في الموسيقى، حيث يذوب نغم الناي الحزين في زخم نوته، ليعكس ما لا يقدر عليه الكلام. إنها قصة من يجد في الفنون مكاناً أصدق لتجليات روحه وانعكاس آلامه التي تستحق أن تُسمَع وتُقدَّر.
ما زلتُ متعلّقا بصياغة النّصوص الأقدم، على الرّغم من أنّها تسبق زمنيّا الجهد الجذريّ لإعادة التّفكير الّذي قمت به في "رسالة فادويه في التوحيد". ولكن في كلّ منها، جعلت وجهة نظر فادويه أكثر تبسيطاً، وأدركت في كلّ ما حافظت عليه من فادويه المساهمة الحاسمة في التّفكير الصوفي الّذي طوّرته من عام 2002 إلى عام 2011. أودّ اليوم أن أطرح شيئين إضافيين، أحدهما ينبثق من الفحص الّذي أجريته بأثر رجعيّ لبدايات رحلتي الفكريّة الصوفية، والآخر ينبثق من النّظر في المسار الحاليّ للأديان. الأوّل هو أنّني أستطيع أن أرى بوضوح أنّني كنت متصوفاً قبل أن أكون صوفياً، بما أنّني عدت متصوفاً مرّة أخرى قبل أن أصبح غير صوفي. كنت قد قرأت القليل جدّا من كتابات المتصوفة في صفّ الفلسفة. ولكنّ أميري قد حثّني على النّظر إلى الإله باعتباره أحداً لأنّه عرف كيف يوحّد فيه بين الاسم و المعنى - بين الأحد و الواحد في لاهوت حقيقي- هذا المصطلح الّذي لم يكن يُفهم بمعناه الصوفي الحاليّ المخصّص للمجتمعات الشرقية، بل بوصفه تفكيرا أساسيّا عن التوحيد ضمن النظرة الصوفية الخالصة، ويجمع بطريقة انعكاسيّة تجليات الإله المختلفة والمتع...
تعليقات
إرسال تعليق